Cairo 🆕️
بقلم د.عبير
أضواء مدينة القاهرية العتيقة حيث تتداخل أصوات التراويح مع رائحة البخور في "حي الحسين" كان "سليم" يجلس في شرفته يراقب السماء بتركيز غريب. لم يكن سليم مجرد شاب عادي، بل كان مهندساً يعشق التفاصيل، ودائماً ما يبحث عن "الإشارة" التي تخبره أن هذه هي الليلة الموعودة .
🔻 الهدوء الذي يسبق النور
كانت ليلة السابع والعشرين. الجو ليس حاراً ولا بارداً، بل كان هناك اعتدال عجيب يداعب الوجوه. لاحظ سليم شيئاً غريباً؛ الضجيج المعتاد للسيارات في الأسفل بدا باهتاً، وكأن المدينة قد وُضع عليها "كاتم صوت" إلهى .
قرر سليم أن يترك شاشات هاتفه وتصاميمه الهندسية، ونزل ليتمشى في أزقة المدينة القديمة. كانت لديه دعوة واحدة يخبئها في قلبه منذ سنوات، دعوة يظنها مستحيلة، لكنه كان يؤمن أن "ليلة القدر" هي الثقب الذي يمر منه المستحيل ليصبح واقعاً.
🔻 النور المنبعث
بينما كان يسير بالقرب من مسجد أثري قديم، رأى رجلاً مسناً يجلس على عتبة الباب، لا يطلب مالاً ولا طعاماً، بل كان يبتسم للسماء. اقترب منه سليم وسأله بفضول: "يا عم، هل تظنها الليلة"
نظر إليه الرجل بعينين تلمعان بنور غريب وقال بصوت هادئ:
"يا بني، ليلة القدر لا تُعرف بالعين فقط، بل بالقلب. إذا شعرت أن روحك خفيفة، وأن الدنيا كلها لا تساوي في نظرك شيئاً مقابل سجدة واحدة، فاعلم أن الملائكة حولك الآن."
في تلك اللحظة، هبت نسمة ريح باردة فجأة، شعر سليم برعشة تسري في جسده. لم تكن برداً، بل كانت طاقة غريبة. دخل المسجد، وكانت الأضواء خافتة، وصوت الإمام يقرأ سورة القدر: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ}.
🔻 حين توقف الزمن
سجد سليم، وفي تلك السجدة، شعر أن الزمان توقف. بدأ يسرد دعواته، تلك التي ظنها صعبة. بكى كما لم يبكِ من قبل، شعر أن ثقلاً كبيراً يزاح عن صدره. لم يعد يسمع صوت من حوله، كان في عالم آخر، عالم يملؤه السلام والأمان ({سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ}).
عندما رفع رأسه، شعر بشعور غريب من اليقين؛ اليقين بأن كل شيء سيكون بخير.
🔻 شروق مختلف
خرج سليم من المسجد مع اقتراب الفجر. وقف يراقب الأفق. عندما بدأت الشمس بالشروق، لم تكن كأي يوم آخر. كانت بيضاء، هادئة، بلا شعاع يؤذي العين، تماماً كما وصفها الصالحون.
عاد إلى منزله، وبمجرد أن فتح باب غرفته، وجد رسالة بريدية كانت قد وصلت بالأمس ولم يفتحها. كانت تحمل خبراً غيّر مجرى حياته المهنية تماماً، الخبر الذي كان ينتظره ويحلم به.
ابتسم سليم وهو ينظر إلى قرص الشمس الأبيض، وأدرك أن المعجزة لم تكن فقط في الخبر الذي تلقاه، بل في تلك القوة التي استمدها من ليلة كانت "خيراً من ألف شهر .
تعليقات
إرسال تعليق